الصراع الروسي الأوكراني في أسواق السلع


تأثير الصراع الروسي الأوكراني على أسواق السلع

أدى غزو روسيا لأوكرانيا مطلع عام 2022 إلى سلسلة من الصدمات في أسواق السلع العالمية، لا سيما أسواق الغاز الطبيعي والنفط والقمح. وتفاقم الصراع ليتحول إلى أزمة طاقة غير مسبوقة، أثرت بشكل مباشر على سلاسل التوريد وهياكل التسعير والعلاقات الدولية. ولم تقتصر القرارات التي اتخذتها روسيا، وردود فعل أوروبا وبقية العالم، على إعادة تشكيل سوق الطاقة بشكل فوري فحسب، بل مهدت الطريق أيضاً لتحولات استراتيجية طويلة الأجل في مصادر الطاقة وأنماط استهلاكها.

الغاز الطبيعي

كان جوهر الأزمة هو خفض روسيا الاستراتيجي لصادرات الغاز الطبيعي إلى أوروبا؛ وهي خطوة اتخذتها شركة غازبروم الروسية لخفض الإمدادات بنسبة 90%. صُمم هذا الإجراء لتقويض الدعم الغربي لأوكرانيا، مستغلاً اعتماد أوروبا الكبير على الغاز الروسي كأداة سياسية. وكانت النتيجة المباشرة ارتفاعاً حاداً في أسعار الغاز الطبيعي عالمياً، لتصل إلى مستويات أعلى بعشرة أضعاف من تلك التي شهدتها السنوات التي سبقت الأزمة. وكان لهذا الارتفاع في الأسعار أثرٌ متسلسل، حيث أثر بشكل كبير على القطاعات التي تعتمد على الغاز الطبيعي، مثل الأسمدة والبتروكيماويات، وساهم في تفاقم الضغط الاقتصادي.

في مواجهة نقص حاد في الطاقة، شرعت أوروبا في مهمة عاجلة لتنويع مصادرها. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، نجح الاتحاد الأوروبي في خفض اعتماده على الغاز الروسي بشكل ملحوظ. فبعد أن كان متوسط ​​ما يُلبى من روسيا قبل الأزمة يزيد عن 40% من احتياجاته من الغاز، انخفض هذا الرقم إلى أقل من الربع في عام 2022، ثم إلى حوالي 10% في عام 2023. وقد تيسّر هذا الانخفاض الكبير بفضل التحول نحو مصادر بديلة، ولا سيما الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، الذي كان يُغطي أكثر من 40% من العجز الناجم عن خفض الإمدادات الروسية. ولم يقتصر رد أوروبا على البحث عن مصادر بديلة، بل شمل تعديلات كبيرة على جانب الطلب: فقد انخفض استخدام الغاز الصناعي بنحو 25%، وأدت الظروف المناخية المعتدلة وتحسينات الكفاءة إلى انخفاض الاستهلاك بنسبة 10%، كما ساهم التوسع السريع في نشر مصادر الطاقة المتجددة في تخفيف الطلب على الغاز الطبيعي.

امتدت تداعيات الأزمة إلى ما هو أبعد من حدود أوروبا. فقد ساهم الارتفاع الحاد في أسعار الغاز الطبيعي في تباطؤ الاقتصاد العالمي، حيث خفّض البنك الدولي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 2.4%، مسجلاً بذلك أبطأ نمو منذ ثلاثة عقود. ورغم انخفاض الأسعار عن ذروتها، لا يزال السوق متقلباً، إذ لا تزال أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية أعلى بكثير من المتوسطات التاريخية، مما يعكس واقعاً جديداً في قطاع الطاقة. وتشير الجهود الحثيثة التي يبذلها الاتحاد الأوروبي لتقليل اعتماده على الغاز الروسي، إلى جانب التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة وزيادة كفاءة استخدام الطاقة، إلى تحول جوهري في استراتيجية الطاقة. وبينما قد تكون الأزمة المباشرة قد انحسرت، فإن تداعياتها طويلة الأجل على سوق الغاز الطبيعي وأمن الطاقة والعلاقات الجيوسياسية لا تزال تتكشف. ومؤخراً، انخفض سعر العقد الأوروبي المرجعي، وهو العقود الآجلة الهولندية للشهر الأول، إلى ما دون 23 يورو لكل ميغاواط ساعة. ويمثل هذا أدنى مستوى له منذ مايو 2021، حيث انخفضت أسعار الغاز بأكثر من 90% عن ذروتها البالغة 339 يورو لكل ميغاواط ساعة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.

زيت

أدى الصراع وما تبعه من عقوبات أمريكية على روسيا في قطاع الطاقة إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. وباعتبارها لاعباً رئيسياً، إذ ساهمت بنسبة 12% من إنتاج النفط العالمي في عام 2021، فقد أدى انخراط روسيا في الصراع إلى زيادة كبيرة في أسعار النفط الخام. وتشير السجلات إلى أن العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط وخام برنت قد ارتفعت إلى أعلى مستوياتها منذ يوليو 2008، لتصل إلى 133.460 دولاراً للبرميل و139.130 دولاراً للبرميل على التوالي، في أوائل مارس 2022. وقد استمرت هذه الأسعار نتيجة لتفاعل معقد بين عدة عوامل، بما في ذلك المفاوضات والعقوبات وردود الفعل المتباينة من الدول الأوروبية والأمريكية، والتي تفاقمت بفعل رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة وارتفاع قيمة الدولار الأمريكي. ومع ذلك، فإن ما ميّز هذه التحركات السعرية أكثر من أي شيء آخر هو الخوف.

تستكشف إحدى الدراسات التأثير الكبير للحرب على تقلبات أسعار النفط. وخلصت الدراسة إلى أن الصراع الروسي الأوكراني كان مسؤولاً عن 70.72% و73.62% من تقلبات أسعار خام غرب تكساس الوسيط وخام برنت، على التوالي، خلال فترة الحرب. وهذا يُبرز الدور الحاسم للحرب في زعزعة استقرار سوق النفط ورسم مسار جديد لأسعار النفط. ورغم مواجهة روسيا لعقوبات دولية صارمة، حافظت على مكانتها كمصدر رئيسي للنفط. ففي عام 2023، احتلت المرتبة الثالثة عالميًا في إنتاج النفط، بعد الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وظلت ثاني أكبر مُصدّر للنفط. وقد دفعت العقوبات والتحولات في السوق العالمية روسيا إلى إعادة توجيه صادراتها، فزادت بشكل ملحوظ شحناتها إلى دول مثل الهند والصين وتركيا والشرق الأوسط، في حين تراجعت صادراتها إلى الأسواق التقليدية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في آسيا بشكل حاد.

من الأمور الأخرى التي يجب مراعاتها تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على ترتيبات أوبك+ وتطورها استجابةً للأزمة. يتمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه أوبك+، التي تضم منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وعشر دول أخرى مصدرة للنفط، من بينها روسيا، في إدارة الإمدادات في ظل المشهد العالمي المتغير نتيجةً للحرب. ورغم التوترات الجيوسياسية والعقوبات المفروضة على روسيا، قررت أوبك+ الإبقاء على سياستها المتمثلة في زيادة المعروض بمقدار 400 ألف برميل يوميًا، إلا أنها واجهت صعوبة في تحقيق هذا الهدف بسبب اضطرابات مختلفة، مما أدى إلى تضييق المعروض في السوق وارتفاع أسعار النفط.

تأثر دور روسيا في تحالف أوبك+ بشكل ملحوظ بالعقوبات وردود الفعل الدولية على حربها في أوكرانيا. قبل النزاع، كانت روسيا لاعباً محورياً في صنع سياسات أوبك+، لكن نفوذها تضاءل مع انخفاض إنتاجها وصادراتها النفطية. ويساهم هذا التراجع في اتساع فجوة العرض في أوبك+، مما يؤثر على قدرة التحالف على تحقيق أهدافه الإنتاجية. ورغم هذه التحديات، قاوم أعضاء أوبك+، ولا سيما السعودية وغيرها من المنتجين العرب الرئيسيين، ضغوط الولايات المتحدة لقطع العلاقات مع روسيا، مفضلين بدلاً من ذلك الحفاظ على تحالفهم.

في أكتوبر/تشرين الأول 2022، اتخذت منظمة أوبك+ قرارًا هامًا بخفض إنتاج النفط بمقدار مليوني برميل يوميًا، بهدف رفع أسعار الخام. وقد انتقدت الولايات المتحدة هذه الخطوة، معتبرةً إياها مؤشرًا على انحياز منتجي الخليج إلى جانب روسيا على حساب الدول الغربية. دافع أعضاء أوبك عن قرار خفض الإنتاج باعتباره ضروريًا للحفاظ على توازن السوق في ظل ارتفاع أسعار الفائدة في الغرب وضعف الاقتصاد العالمي. مع ذلك، فسّر محللون وبعض المسؤولين الغربيين هذه الخطوة بأنها ذات دوافع سياسية، وربما تهدف إلى دعم ارتفاع أسعار النفط لصالح روسيا وأعضاء أوبك+ أنفسهم.

قمح

أخيرًا، تُعد أوكرانيا من أبرز منتجي ومصدري القمح في العالم. وبسبب النزاع، واجهت أوكرانيا اضطرابات كبيرة في إنتاج القمح، مما كان له آثار واسعة النطاق على السوق العالمية. وقد فاقم هذا الوضع المخاوف بشأن الأمن الغذائي العالمي والفقر، نظرًا للدور الحيوي الذي يلعبه القمح في سلسلة الإمداد الغذائي العالمية. وتشير التقديرات إلى أن الحرب تسببت في ارتفاع الأسعار بنحو 2% عالميًا، مع قفزة حادة بلغت 27% في ذروة مرحلة التوتر خلال النزاع عندما كانت المخاوف بشأن الإمدادات في أوجها. هذا الارتفاع في الأسعار، وإن بدا متواضعًا، له تداعيات خطيرة على القدرة على تحمل تكاليف الغذاء والحصول عليه في جميع أنحاء العالم، لا سيما في الدول المستوردة للقمح. وقد شهدت هذه الدول انخفاضًا في استهلاك القمح بسبب ارتفاع الأسعار، مما فاقم انعدام الأمن الغذائي بين سكانها.

كان من بين الآثار الاقتصادية المباشرة الأخرى تحوّل ديناميكيات تصدير القمح. فقد استغلت روسيا الوضع بزيادة صادراتها من القمح إلى الدول التي كانت تعتمد تقليديًا على القمح الأوكراني. لم يُغيّر هذا التحوّل أنماط التجارة العالمية فحسب، بل ألحق أيضًا خسائر فادحة برفاهية منتجي القمح في أوكرانيا، تُقدّر بنحو 1.4 مليار دولار. تُجسّد هذه الخسارة الخسائر الاقتصادية والاجتماعية الأوسع نطاقًا التي خلّفها الصراع على القطاع الزراعي في أوكرانيا. يُعدّ دور أوكرانيا كـ”سلة خبز أوروبا” بالغ الأهمية. فقبل الصراع، كانت البلاد من كبار مُصدّري العديد من المنتجات الزراعية الرئيسية، بما في ذلك زيت دوار الشمس والشعير والذرة والقمح. تسبّبت الحرب في انخفاض حادّ بنسبة 29% في إنتاج الحبوب الأوكراني خلال الفترة 2022/2023، ما حدّ بشدة من قدرتها التصديرية. وكان للحصار الروسي لموانئ أوكرانيا على البحر الأسود أثرٌ بالغ الضرر، إذ أدّى إلى توقف الصادرات تقريبًا، ووجّه ضربة قوية لشبكات توزيع الغذاء العالمية. إضافةً إلى ذلك، تُعدّ صادرات القمح الأوكرانية حيويةً للعديد من الدول الآسيوية والأفريقية، حيث تعتمد دولٌ فقيرةٌ كثيرةٌ على القمح الأوكراني لتلبية احتياجاتها الغذائية. ومع قرار روسيا الانسحاب من مبادرة حبوب البحر الأسود، تفاقم الوضع، مما زاد من الضغط على سلسلة الإمداد الغذائي العالمية وزاد من حدة أزمة الغذاء. وبما أن أسعار القمح، التي ارتفعت بنسبة 27%، قد انخفضت الآن إلى ما دون مستويات ما قبل الحرب، يبدو أنه على الرغم من وجود تأثيرٍ كبيرٍ واضحٍ هنا، إلا أن أساسيات هذا السوق ستنتصر في نهاية المطاف.

مرجع:

الحرب الروسية على أوكرانيا – مواضيع – وكالة الشؤون الاقتصادية الدولية

من أين يأتي الغاز في الاتحاد الأوروبي؟ – كونسيلوم (europa.eu)

https://energy.ec.europa.eu/system/files/2023-01/Quarterly%20report%20on%20European%20gas%20markets%20Q3_FINAL.pdf

المرحلة الثانية من تحديد سقف أسعار النفط الروسي: بعد عامين من غزو بوتين | وزارة الخزانة الأمريكية

(ملف PDF) تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على أسعار النفط الخام: إطار عمل EMC (researchgate.net)

أسئلة وأجوبة | تحديات تواجه أوبك+ في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا – مركز سياسات الطاقة العالمية في كلية الشؤون العامة والدولية بجامعة كولومبيا | CGEP

روسيا تفقد نفوذها في تحالف أوبك+ مع تراجع دورها في سوق النفط نتيجةً للحرب في أوكرانيا | رؤى ستاندرد آند بورز العالمية للسلع (spglobal.com)

هل تتحالف منظمة أوبك مع روسيا بعد خفض الإنتاج؟ | أخبار أوبك | الجزيرة

زكريا ووكر

كاتب محتوى في شركة فاينالتو

جميع الآراء والأخبار والأبحاث والتحليلات والأسعار والمعلومات الأخرى تُقدَّم كتعليق عام على السوق، وليست نصيحة استثمارية، ولا يُضمن تحقيق جميع النتائج المحتملة المذكورة. قد تكون المعلومات مستقاة من مصادر متاحة للجمهور، أو تقارير الشركات، أو أبحاث شخصية، أو استطلاعات رأي. الأداء السابق لا يُشير إلى الأداء المستقبلي. ينطوي التداول على مخاطر خسارة رأس المال. الخدمة متاحة للعملاء المحترفين فقط.